تَحضِير
إثيوبيا قدمت دورآ مصيريآ وحاسمآ منذ فجر الدعوة الإسلامية وكانت الملاذ الآمن الذى حفظ المسلمين وحفظ إنتشار الإسلام من الفناء والإندثار بعد أن هاجروا إلى إثيوبيا التى عُرِفَتْ سابقآ ببلاد الحبشة وأيضآ مملكة أكسوم ، وذلك حفاظآ على أنفسهم و دينهم من بطش كفار قريش ، وقد وَفَّرَ لهُم الملك النجاشى حرية ممارسة شعائرهم الدينية علنآ وحماية مَلكية رسمية بعدم تعرضهم وديانتهم ومعتقداتهم للإيذاء ، وكان لإثيوبيا الفضل على الإسلام بإنها ظلت حاضنة له وقامت بحماية هيكله البشرى والروحى وقدمت للإسلام شخصيات عظيمة خَلَّدَهَا التاريخ الإسلامى مثل بلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وأيضآ (أم أيمن) حاضنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومربيته التى كان يقول عنها (أم أيمن أمى بعد أمى) وقد إنتقل ذلك الإرث العظيم إلى الجيل الحالى من قادة وشعوب إثيوبيا وذلك من خلال إستمراره فى تعاملهم النموذجي مع كل من يأتى إليهم بغرض الإستقرار والعمل أو سائحآ أو زائرآ أو مستجيرآ , وقد أدى ذلك إلى إنتشار الإسلام المعتدل والمتعايش مع الآخرين و يتجلى ذلك فى مماراسات وسلوك معتنقيه من الإثيوبين الذين يتعايشون بكل سلام مع معتنقى الديانات الأخرى من دون تطرف أو تكفير أو دعوات للجهاد أو إرهاب حتى و لو نفسيآ , لأنهم يؤمنون بأن الوطن لكل مكونات وفئات الدولة وليس من حقهم فرض وصايتهم أو أساليب حياتهم على الآخرين و يتجلى ذلك كذلك فى تعاملهم مع ملف اللاجئين وفقآ للمقاييس والإتفاقيات الدولية التى تقوم بها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ، حتى وصلوا مرحلة متفردة صار فيها الكثير من المسؤولين يطلقون علي اللاجئين ضيوف إثيوبيا بدلآ عن كلمة لاجئين ، مما يدل على أن الشعوب الإثيوبية غريزيآ و وراثيآ تتناقل ذلك السلوك المتحضر ، وكانت بلاد الحبشة و ما يعرف أيضآ بمملكة أكسوم قوية بمَلكها العادل النجاشى وفرضت نفوذها على كامل البحر الأحمر الذى كان يعرف جزء منه أيضآ فى فترة ما ببحر القلزم ولكن ظل كامل الجزء الجنوبي منه المشاطئ للسواحل الغربية لأرض الحجاز والسواحل الشرقية لمملكة أكسوم أو بلاد الحبشة يعرف بإسم (بحر النجاشى) وتوجد به موانئ على البحر وكان حتى الرحالة العرب وسفن التجارة التى تستخدم المياه الدولية وصولآ إلى الشواطئ يطلقون على البحر الأحمر بحر النجاشى وذلك مذكورآ فى العديد من المراجع و أُمَّهَات الْكُتب مثل (العبر وديوان المبتدأ والخبر) للإمام إبن خلدون وكتاب (الروض المعطار فى خبر الأقطار) لإبن عبد المنعم الحميري وكذلك كتاب (صبح الأعشى فى صناعة الإنشاء) للقلقشندى وكتاب (الطراز المنقوش بمحاسن الحبوش) لعلاء الدين البخاري .
إثيوبيا وبرغم تاريخها العريق وحضاراتها المؤثرة وإنها مهد البشرية بإكتشاف و وجود هيكل جدة البشرية (لوسي) فيها مما حدا بأن يتم تسميتها (أرض الأصول) من قبل العلماء الذين إكتشفوها عام 1974 وهم العالم الأميركى دونالد جوهانسون والعالم الفرنسى موريس تاييب وكذلك توم غرى وإيف كوبنز ، برغم كل ذلك فإن إثيوبيا لم تركن فقط إلى ذلك الماضى والتاريخ مثل بعض الدول التى مازالت تريد أن تتوكأ على ماضيها المندثر وحضارتها البالية وتريد أن ترمى بفشلها فى توحيد شعوبها وتطوير واقعها على الدول الأخرى إنطلاقآ من نظرية المؤامرة ضدها والإستهداف والطمع فى ثرواتها وغيرها من حجج الذين لم يحسنوا قيادة وإدارة دولهم ومواردها ، فقد سعت إثيوبيا إلى التطور والتقدم بناء على السلام والتعايش المجتمعى بين مكوناتها ومعالجة شعوبها من وباء عدم قبولهم لبعضهم البعض الذى كان قائمآ على أساس المعتقدات الدينية أو اللون والشكل أو الجنس أو الإنتماءات القبائلية والمناطقية ، وأيضآ قامت بالإهتمام بأجيال تَرَبَّتْ على القيم الفاضلة بإخلاص وَثِيقٍ للوطن الشامل الجامع وكذلك الْإِخلَاص لِوَلِيِّ الْأَمْر القائم على ذلك والإعتزاز بالمنجزات الحقيقية الماثلة أمامهم وتطويرها ، وكذلك سعت إثيوبيا إلى التخطيط العلمى السليم والبحوث والدراسات التى تصدرها مؤسسات مرموقة كجامعة هارفارد فى ولاية بوسطن وتعتمد على معطيات ومفاهيم معاصرة مثل قواعد البيانات الموثوقة وعلوم الإحصاء وكذلك وجوب الإستفادة القصوى من موارد البلاد فى المشاريع التنموية وبناء علاقات دولية دبلوماسية وخارجية متوازنة تراعى مصالح شعوبها وكذلك جيش مهنى محترف مهمته الدفاع عن حدود البلاد والشعب إسوة بالدول المتطورة المتقدمة التى تعرف كيف تجارى الأنظمة الحديثة وتحقق طموحات شعوبها بالفصل بين مهام وصلاحيات مؤسساتها رغم حداثة نشأة تلك الدول ، مثل دولة البوسنة والهرسك التى نال شعبها إستقلاله وحريته وإستطاع أن يجاهر المسلمون هناك بديانتهم ويمارسوها علنآ بكل حرية ودون تطرف أو إقصاء للآخرين بعد قضاء الولايات المتحدة الأميريكية على يوغسلافيا التى كانت تعيق ذلك والقيام بدفعها إلى توقيع إتفاقية دايتون فى عام 1995، وكذلك إقتدت إثيوبيا بنماذج الدول المتطورة سريعآ وحديثآ فى شرق آسيا بأساليب دينامية مثل اليابان ، أندونيسيا ، سنغافورة ، ماليزيا والصين التى كدولة واحدة فقط فإن جامعاتها تستحوذ على 9 من أفضل 10جامعات فى العالم فى مجال تخريج وضم باحثين ومؤلفين للأوراق البحثية فى الذكاء الإصطناعى وذلك بالرجوع إلى تقارير مؤتمر NeurIPS وهو أرفع مؤتمر علمى لأبحاث الذكاء الإصطناعى والتعليم الآلى فى العالم ، وأيضآ بدأت إثيوبيا مواكبة نهج دول الشرق الأوسط التى تتمثل فى دول مجلس التعاون الخليجى التى أحسنت المواظبة لتبقى على نسق الأوائل من الدول التى حققت الريادة العالمية فى مؤشرات رفاهية وسعادة شعوبها ، والتنمية المستدامة ، وتماسك المجتمعات وتطور الخدمات ، والإزدهار الإقتصادى ، والإهتمام بالثروة البشرية وتطور العلوم والتكنولوجيا ، مؤكدة أن النجاحات لم تعد تقاس فقط بحضارات عمرها آلاف السنوات أوحجم الدولة ومساحتها أو كثافة السكان وإنما بالإنجازات ونوعيتها وتأثيرها على الحاضر عبورآ إلى مستقبل واعد ، وقد إنعكس ذلك على الكثير من المؤشرات ومن أهمها أن الخطوط الجوية الإثيوبية التى شاب مستواها الإهتزاز وعدم الإستقرار فى بعض الفترات بعد النشأة ، قد ظلت بعد ذلك ومازالت تقود القارة الأفريقية كأفضل خطوط جوية للعام الثامن على التوالي حتى 2026 وساهمت وحدها بإيرادات بلغت 4,4 مليار دولار أميريكى خلال 6 أشهر فقط فى العام 2026 ، بينما تجاوزت جملة إيرادات الصادرات خلال 10 شهور من السنة المالية 2026 حاجز 8,7 مليار دولار أميركى إضافة إلى إيرادات السياحة التى تجاوزت 2 مليار دولار أميركى خلال 9 شهور فقط فى العام 2026 ، و قد تم تصنيف إثيوبيا كأسرع الوجهات السياحية نموآ فى أفريقيا من قبل المجلس العالمى للسفر والسياحة ( WTTC ) وذلك إضافة لإستضافة 150 مؤتمرآ إقليمآ ودوليآ فى الفترة الأخيرة والإنضمام رسميآ لكل منظمات ومؤسسات الإتحاد الأفريقى والعديد من المنظمات الدولية الفاعلة ، وكل ذلك بفضل الإصلاحات السياسية والإقتصادية الشاملة ، و بسط الأمن ، ومجانية التعليم فى قطاع المدارس الحكومية لكل المراحل الدراسية حتى الجامعية ، الإهتمام بالقطاع المصرفى والبنوك ، القطاع الصحى وكذلك التحول الرقمى والتركيز على الجودة والإنتاج وكذلك العمل على زيادة الموارد ومصادر الطاقة مثل سد النهضة الذى هو أعظم مشروع فى أفريقيا ويمهد لمشروع الربط الكهربائى للقارة الأفريقية وكذلك فإنه من أهم المشاريع العالمية التى تعزز أهداف التنمية المتجددة والمستدامة لمنظمة الأمم المتحدة بالمساهمة فى خفض الإنبعاثات الكربونية العالمية ، وقد دعت إثيوبيا دول حوض النيل إلى عدم الخلاف حول فوائد سد النهضة الذى أصبح مشروعآ يهم العالم ويحقق أهدافآ عالمية ومن مصلحة الجميع الإتفاق على الإستفادة منه بإسلوب جماعى يعتمد على التآذر (Ida'amuu) ، وكذلك إهتمت إثيوبيا بالتحديث الدائم للبنية التحتية وقطاع الإتصالات فى المناطق الحضرية وأيضآ الريفية على السواء ، وبالإضافة لإتفاقيات الشراكات التى وقعتها إثيوبيا مع الكثير من الدول الكبرى مثل الصين ، وروسيا ، وأميركا ، والمملكة المتحدة البريطانية ، وفرنسا وإيطاليا والعديد من الدول الغربية المتطورة ، فإن إثيوبيا قد نجحت فى التوصل لإتفاقيات تم توقيعها مع الولايات المتحدة الأميركية لرفع حظر السلاح المفروض رسميآ عليها من جانب الولايات المتحدة الأميريكية وذلك بإعلان وزارة الخارجية الأميريكية عبر مديرية ضوابط التجارة الدفاعية ( DDTC ) فى11مايو 2026 بالتوقيع على الإنهاء الرسمى لحظر السلاح الذى كان مفروضآ على إثيوبيا منذ عام 2021 والبدء بالعمل بإتفاقية الحوار الهيكلى الثنائي ( BSD ) ، وبذلك فإن إثيوبيا تقوم بتأسيس حاضر قوى ومنهجى إستعدادآ لأن تنطلق منه نحو المستقبل إقتداء ببعض الدول الكبرى التى بدأت النهضة الفعلية لها منذ فترة قريبة جدآ ومع ذلك إستطاعت أن تتبوأ العديد من الإنجازات العالمية والقدرة على تسخيرها فى ميادين التكنلوجيا والصناعات وخدمة مجتمعاتها فى العديد من الشؤون وتعزيز نفوذها وخاصة فى المجالات الإقتصادية والعسكرية ومن أهم تلك الدول هى الصين والولايات المتحدة الأميريكية .